محمد طاهر الكردي

441

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

النوع السابع والأربعين في ناسخ القرآن ومنسوخه ، في المسألة الرابعة من مسائل الناسخ والمنسوخ . ( وحاصل ) ما حققه : أن ما أمر به لسبب ثم يزول السبب ، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ، ثم نسخ بإيجاب القتال ليس في الحقيقة نسخا ، بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى : أَوْ نُنْسِها ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون . وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى ، ثم ذكر أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى الحكم آخر ليس بنسخ ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله . وقال مكي : ذكر جماعة أن ما ورد في الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية ، مثل قوله في البقرة : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، محكم غير منسوخ ، لأنه مؤجل بأجل ، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه ا ه . ملخصا منه مع تصرف يسير للإيضاح . فيؤخذ مما ذكره في هذا القسم من النسخ ، الذي هو في الحقيقة قسم من المنسأ ، أن صبر المسلمين على أذى الكفرة المحتلين لبلادهم إذا منعوهم من الهجرة ، والحال أنهم لا قدرة لهم على جهادهم لا يأثمون به ، لعذرهم بالعجز وسرعة تغلب العدو عليهم بغتة قبل أن يستعدوا لجهادهم أو للهجرة عنهم ، لا سيما مع اختلاف كلمتهم وتفرق آرائهم وإن كانوا مأمورين بعدم التنازع خوف الفشل ، لأن التكليف بحسب الإمكان ، والإثم في مثل هذه الصورة في ترك الجهاد والهجرة معا ، إنما يتعلق بأهل الحل والعقد لا بالضعاف المغلوبين على أمرهم . هذا ما تحرر عندي من خلاصة أحكام الهجرة في هذا الزمان الذي عم الكفر فيه جميع بلاد الإسلام إلا ما لا يذكر لضعف شأنه ، وقد كنت في ابتداء هجرتنا من أوطاننا ألفت رسالة في وجوبها وسميتها " مزمل الحرج في رد ما عند من أسقط الهجرة من الحجج " تحريت فيها الحق غاية جهدي ، ولم أكفر من تركها متأولا ، ولم أفت بإباحة أموالهم لمن يزعم أنه مجاهد ، وإن خالفني في ذلك بعض مشايخي وإخوتي ، رحم اللّه الجميع وغفر لهم ، ثم جربت البلاد المشرقية بعد هجرتي للحرمين الشريفين ، واختبرت أحوال سائر البلاد وأحوال المهاجرين في هذا الزمن ، والمتوكل منهم كحال الصحابة في بدء هجرتهم وغير المتوكل ، فزدت لذلك في رسالتي المذكورة مسائل دقيقة وفوائد نافعة ، ولخصت في هذه التنبيهات